محمد جمال الدين القاسمي

367

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

هذا بقوله تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . الثاني - أن نفاة القياس قالوا : ثبت بهذا النص أنه صلى اللّه عليه وسلم ما كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه ، فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النازل عليه ، بقوله تعالى : فَاتَّبِعُوهُ * ، وذلك ينفي جواز العمل بالقياس . ثم أكد هذا الكلام بقوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى . والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري مجرى علم البصير . ثم قال أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين ، وأن لا يكون غافلا عن معرفته . انتهى . وفي ( فتح الرحمن ) : تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء ، عملا بما يفيده القصر في هذه الآية . والمسألة مدونة في الأصول . وقد صح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : أوتيت القرآن ومثله معه . ثم لما أخبر تعالى : أن أولئك المشركين كالصم البكم العمي ، بل الموتى ، إذ لم يتعظوا بتصريف الآيات الباهرة ، أمر بتوجيه الإنذار إلى من يتأثر بما يوحي إليه ، اطراحا لأولئك الفجار ، فقال تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 51 ] وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 ) وَأَنْذِرْ بِهِ أي : بما يوحي ، المتقدم ذكره الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ يعني : من دون اللّه تعالى ، وَلِيٌّ أي : ناصر ينصرهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم وينجيهم من العذاب ، غيره تعالى : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي : الاعتقادات الفاسدة ، والأعمال الطالحة ، والأخلاق الرديئة . قال في ( العناية ) : خص بالذكر هؤلاء ، لأنهم الذين ينفعهم الإنذار ، ويقودهم إلى التقوى . وليس المراد الحصر حتى يرد أن إنذاره لغيرهم لازم أيضا . انتهى . وجملة لَيْسَ لَهُمْ في موضع الحال من يُحْشَرُوا ، فإن المخوف هو الحشر على هذه الحالة . والمراد ب ( الوليّ ) و ( الشفيع ) الآلهة التي كان المشركون